فخر الدين الرازي

254

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حركت حركة شديدة ، كما قال : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [ الواقعة : 4 ] وقال قوم : ليس المراد من زلزلت حركت ، بل المراد : تحركت واضطربت ، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر ، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول : إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة ، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه : لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] واعلم أن زل للحركة المعتادة ، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة ، لما فيه من معنى التكرير ، وهو كالصرصر في الريح ، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها اللّه تعالى بالعظم فقال : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] . المسألة الرابعة : قال مجاهد : المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 6 ] أي تزلزل في النفخة الأولى ، ثم تزلزل ثانيا فتخرج موتاها وهي الأثقال ، وقال آخرون : هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها ، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية . المسألة الخامسة : في قوله : زِلْزالَها بالإضافة وجوه أحدها : القدر اللائق بها في الحكمة ، كقولك : أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته ، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني : أن يكون المعنى زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه ، والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل والثالث : زلزالها الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي ، تقريره ما روى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي . أما قوله : [ سورة الزلزلة ( 99 ) : آية 2 ] وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الأثقال قولان : أحدهما : أنه جمع ثقل وهو متاع البيت : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ [ النحل : 7 ] جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها ، قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وقيل : سمي الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها ، ثم قال : المراد من هذه الزلزلة الزلزلة الأولى يقول : أخرجت الأرض أثقالها ، يعني الكنوز فيمتلئ ظهر الأرض ذهبا ولا أحد يلتفت إليه ، كأن الذهب يصيح ويقول : أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي ! أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ [ التوبة : 35 ] ومن قال : المراد من هذه الزلزلة الثانية وهي بعد القيامة قال : تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حيا ، وقيل : تلفظه الأرض ميتا ، كما دفن ثم يحييه اللّه تعالى والقول الثاني : أثقالها : أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ، ولذلك قال : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها فتشهد لك أو عليك . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في صفة الأرض : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً [ المرسلات : 25 ] ثم صارت بحال ترميك وهو تقرير لقوله : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [ الحج : 2 ] وقوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ [ عبس : 34 ] أما قوله تعالى :